محمد الغزالي

200

خلق المسلم

نزهدها . . وأول شرائط الصحبة الكريمة أن تبرأ من الأغراض ، وأن تخلص لوجه الحق ، وأن تولد وتكبر في طريق الإيمان والإحسان ، وهذا هو معنى الحب للّه . إن الإنسان إذا رسخ في فؤاده اليقين ، وخالطت بشاشة الإيمان قلبه ، وأحس بحلاوته في مذاقه أصبح ينظر للأحياء قاطبة على ضوء العقيدة التي تمحض لها . فهو يحب لمبدأ ، لا لشهوة ، ويكره لمبدأ ، لا لحرمان . وقد تتجمع القطعان على مورد عذب أو كدر ، وقد يلتقي الناس على دنيا عارضة أو دائمة ، وربما تأسست بينهم علاقات متينة ، بيد أن هذا الضرب من التعارف والتوادّ لا يقاس بما ينشأ بين أصحاب المثل العليا من محبة وصفاء ، وتعاون وتفان . . ولذلك احتفى الإسلام بمشاعر الصداقة النقية ورغب المؤمنين في إخلاصها للّه ، وإبقائها لوجهه ، وجعل لها من جميل المثوبة ما هي له أهل : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قال اللّه عزّ وجلّ : المتحابون بجلالي في ظل عرشي ، يوم لا ظل إلا ظلي » « 1 » وعن عمر بن الخطاب : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن من عباد اللّه ناسا ما هم بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من اللّه ، قالوا : يا رسول اللّه ، فخبرنا : من هم ؟ قال : هم قوم تحابوا بروح اللّه ، على غير أرحام بينهم ، ولا أموال يتعاطونها : فو اللّه إن وجوههم لنور ، وإنهم لعلى نور ، لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس . وقرأ : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 2 » . والحب في اللّه لا يزعمه كل أحد ، ولا يصدق من كل دعي : فلا بد أن يعرف الإنسان ربه أولا معرفة صحيحة ، ثم يغالي بهذه المعرفة حتى ترجح في نفسه ما عداها ، ثم ترقى هذه المعرفة إلى حب اللّه ذاته ، وإيثار العمل له . وعندئذ يصدق على المرء ، إذا أحب أو كره ، أنه أحب للّه وكره للّه .

--> ( 1 ) أحمد . ( 2 ) أبو داود .